الهيبرتكست
1- الهيبرتكست هو التعبير الوصفي لأحدث أشكال الكتابة الإلكترونية وهو يشكل نصا إلكترونيا يرتبط بنصوص يمكن ترجمتها حرفيا (النص الفائق)، وهي ترجمة hypertext أخرى عن طريق روابط داخل النص، والكلمة غير معبرة عن صفات الهيبرتكست، ومن ثم آثرنا كتابتها بالحروف العربية كما تنطق في لغتها الأصلية، ويثير الانتشار الواسع للكلمة الالكترونية والشاشة على حساب الكلمة المطبوعة والورق قضية النص الالكتروني، وامكان اختفاء النص المطبوع باعتباره مرحلة من مراحل تكنولوجيا لا يمكن لها الخلود، مثلما كنا نتصور فهل يمكن أن ينقرض الكتاب المطبوع ؟
2- لنبدأ قصة الكتابة من البداية حتى نستطيع فهم قضيتنا، فقد كانت اللغة (الشفهية) أولى وسائل الاتصال الفعالة بين البشر، واختصرت بإمكاناتها الداخلية الهائلة زمن التعبير وأمدته بدقة لم تكن ممكنة من دونها، في هذه اللغة ولدت المعرفة الإنسانية كلها، الأساطير والعلم والدين والفلسفة، إلا ان الكلام المنطوق المولود في الصوت والحادث في الزمن لا يمكن أن يحفظ لنا خبرة كما هي، كما أنه لم يكن قادرا على الانتقال الحر في الزمان والمكان، ومن ثم جاءت الكتابة والطباعة، والحاسوب (الكتابة الالكترونية) كتكنولوجيا اخترعها الإنسان في محاولة لتخزين الكلمة وضمان سهولة نقلها في المكان والاحتفاظ بها ومن ثم استعادتها في أي وقت على أن هذه التقنيات التي تتعامل مع المعرفة العقلية تعبيرا وتخزينا، وتنظيما، وتداولا .. مارست ولا تزال تمارس تأثيرا جذريا على العقل نفسه، فعلى سبيل المثال ومنذ الستينيات من القرن العشرين درس كثير من الباحثين تأثير الكتابة النسخية والطباعة على عقل الإنسان وديناميكيته النفسية، ومن ثم تأثير ذلك على تصوره لذاته وعلاقته بالكون والآخرين وبالتالي على تصوره العقيدي والفلسفي، مما يعني أن التحول في تكنولوجيا المعرفة ليس مجرد تحول من تقنية إلى اخرى بل انه يعني التحول إلى عقل آخر.
3- إن علاقتنا مع الكتابة على الأوراق علاقة حميمة، فنحن الذين نخلق الكلمات المكتوبة، بل إن عملية تعليم الكتابة ذاتها هي في الحقيقة تدريب العقل لتوظيف عضلات الذراع لتتحكم في تصوير الحروف والكلمات لنشكل منها مادة المعرفة، ويرى والتر أونج في كتابه (الشفاهية والكتابة) أن هذه العملية البسيطة في ظاهرها غيرت الوعي الإنساني كما لم يغيره أي اختراع آخر، فقد حولت الكلمة المنطوقة - المسموعة والحادثة في الزمان إلى كلمة مرئية محصورة في المكان، أي انها حولت المعرفة العقلية إلى شكل مادي هو الكلمات المكتوبة، ليس هذا فقط بل ان الكلمة المكتوبة غير قابلة للدحض أو المساءلة، يقول أونج ( ....وليس ثمة طريقة مباشرة لدحض النص حتى بعد التفنيد الكامل للكتاب، يظل النص يقول ما قاله من قبل تماما وهذا هو احد اسباب شيوع عبارة "الكتاب يقول" بمعنى أن القول صحيح، وهو أيضا أحد الأسباب التي من أجلها أحرقت الكتب).
4- وعلى النقيض من الكلمة المكتوبة، فإن الكلمة الالكترونية ليس لها وجود مادي، فما يظهر على الشاشة هو الحرف فالكاتب إلى الكمبيوتر، والقارئ من الشاشة يدرك digital التعبير الافتراضي لاستدعاء المناظر الرقمي أنه ليس أمام كلمات مادية حقيقية مثل النص المكتوب أو المطبوع بل أنه أمام حزم الكترونية تندفع من أنبوب الكاثود القابع خلف الشاشة لكي تشكل على سطحها خيالات تشبه الكلمات ’ وما ان يفصل التيار الكهربائي عن الجهاز حتى تختفي الكلمات ولا يمكن استعادتها وحتى لو اراد تخزينها .. فإن ذلك يتم بشكل رقمي أيضا، سواء على الأقراص الممغنطة أو الضوئية، فهذه الوسائط لا تخزن كلمات وإنما تخزن المناظر الرقمية لها، والنتيجة النهائية أن الكلمة الالكترونية فاقدة عنصر الثبات والاستقرار الذي كان للكتابة النسخية والطباعة، وبالتالي فإن المعرفة المستقاة منها متطايرة وفاقدة لعنصر اليقين، كما أن مواصفاتها هذه تجعلها غريبة ومغتربة عنا نحن الذين نشأنا في ثقافة الورق والكلمات المكتوبة.
5- إن الاغتراب عن النص الإلكتروني هو الصفة الأساسية الآن لنا ككُتّاب وقُرّاء الأجيال الحالية الذين تشكل وعيهم ووجدانهم قبل ظهور الكتابة الإلكترونية، ويبدو هذا واضحا فيما نقرؤه بصفة مستمرة عن استمرار الكتاب المطبوع كوسيلة أولى للمعرفة، وبالتالي استمرار مواصفات العقلية الكتابية اليقينية كما وصفها أونج. فهل هذا التصور جائز على الأجيال القادمة؟ إن تاريخ تكنولوجيا المعرفة كفيل بالإجابة عن هذا السؤال، فعلى سبيل المثال، في بدايات الكتابة الأبجدية، وفي القرن الخامس قبل الميلاد كان سقراط يقيم محاوراته شفاها، ويذكر لنا أفلاطون على لسانه في الرسالة السابعة إلى فيدروس اعتراضه على الكتابة تلك التي تدعي أنها تؤسس خارج العقل ما ينبغي أن يؤسس داخله كما أنها تأتي بنتائج عكسية على الذاكرة فتجعل الإنسان كثير النسيان، وقد ساق أفلاطون اعتراضه على الكتابة كتابة.
ورد في الفقرة (4) "وليس ثمة طريقة مباشرة لدحض النص حتى بعد التفنيد الكامل للكتاب" المقصود بدحض:.................