الرجولة في الإِسلام
1- لعل من أهم الفروق التي تُميز المُسلمين في أول أمرهم وفجر حياتهم عن المُسلمين اليوم (خُلق الرجولة)، فقد عني العصر الأول بمن كانوا هامة الشرف وغرة المجد وعنوان الرجولة.
2- وتتجلى هذه الرجولة في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إِذ يقول (والله لو الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)، كما تتجلى أعماله في أدوار حياته، فحياته كلها سلسلة من مظاهر الرجولة الحقة، والبطولة الفذة، إِنما لا تزعزعه الشدائد ولا يعيبه النصب، وصبر على المكاره، وعمل دائب في نصرة الحق، وهيام بمعالي الأُمور وترفع عن سفاسفها.
3- وتاريخ الصحابة من بعدهم مملوء بأمثلة الرجولة، وتاريخ الصحابة ومن بعدهم مملوء بأمثلة الرجولة، فأقوى مُميزات (عمر بن الخطاب) أنه كان (رجلًا) لا يُراعي في الحق كبيرًا ولا يُمالي عظيما أو أميرًا. يقول في إِحدى خطبه: «أيها الناس.. إِنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى أأخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى أأخذ الحق له». وينطق بالجُمل في وصف الرجولة فتجري مجرى الأمثال، كان يقول: «يعجبني من الرجل إِذا سيم خطة ضيم أن يقول (لا) بملء فيه». ويضع البرامج لتعليم الرجولة فيقول: «علموا أولادكم العوم والرماية ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا ورووهم ما يجمل من الشعر». ويضع الخطط لتمرين الولاة على الرجولة فكتب إِليهم قائلًا: «اجعلوا الناس في الحق سواء، قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم، إِياكم والرِا والحُكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب». ويُعلمهم كيف يسوسون الناس ويربونه على الرجولة، فيقول: «ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغِياض فتضيعوهم». إِنما هي الرجولة التي بثها فيهم دينهم وعظماؤهم هي التي سمت بهم وجعلتهم يفتحون أرقى الأُمم مدنية وأعظمها حضارة، فهم لا يفتحون فتحًا حربيًا يعتمد على القوة المدنية، إِنما يفتحون فتحًا مدنيًا إِداريًا مُنظمًا يُعلمون به دارسي العدل كيف يكون العدل، ويُعلمون العُلماء الإِدارة ويلقون بعلمهم درسًا على العالم، إِن قوة الخلق فوق مظاهر العلم، وقوة الاعتقاد في الحق فوق النظريات الفلسفية والمذاهب العلمية، وإِن الأُمم لا تُقاس بفلسفتها بمقدار ما تُقاس برجولتها، وقد وصل الإِسلام إِلى حضر موت عام ستمائة وثلاثون بعد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لوائل بن حجر.
4- هل سمعت عطفًا على الرعية وأخذ الولاة بالحزم كالذي روى أن (معاوية) قدم من الشام على عمر بن الخطاب فضرب عمر بيده على عضده فتكشّف له عضد بضّ ناعم، فقال له عمر: «هذا والله لتشاغلك بالحمامات وذوو الحجات تُقطَّع أنفسهم حسرات على بابك». حقًا لقد كان عمر في كل ذلك رجلًا، ولئن كان هُناك رجال قد امتصوا رجولة غيرهم، ولم يشاؤوا أن يجعلوا رجالًا بجانبهم، فلم يكن عمر من هذا الضرب، إِنما كان رجلًا يخلق بجانبه رجالًا، فأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص والمثنى بن حارثة وكثير غيرهم كانوا رجالًا نفخ فيهم عمر من الجد وعزم الأمر، وقد فتحت سواد العراق عنوة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حتى أن عهود الفتح وشروط الصُلح تغيرت مرات عديدة، وترتب على الفتح عنوة استلام المُسلمين للأرض، لكنهم تركوا المهزومين فيها على أن يدفعوا الخراج.
5- أُريد بالرجولة في الإِنسان صفة جامعة لكل صفات الشرف: من اعتداد بالنفس واحترام لها وشعور عميق بأداء الواجب مهما كلفه من مصاعب، وحماية لما في في ذمته من اُسرة وأُمه ودين وبذل الجهد في ترقيتها والدفاع عنها والاعتزاز بها وإِباء الضيم لنفسه ولها، وهي صفة يُمكن تحقيقها مهما اختلفت وظيفة الإِنسان في الحياة، فالوزير الرجل من عد كرسيه تكليفًا لا تشريفًا ورأه وسيلة للخدمة لا وسيلة للجاه، أول ما يُفكر فيه قومه وآخر ما يُفكر فيه نفسه، يظل في كرسيه ما ظل مُحافظًا على حقوق أُمته، وأسهل شيء طلاقه يوم يشعر بتقصير في واجبه، أو يوم يرى أن غيره أقوى منه في حمل العبء وأداء الواجب، يجيد فهم مركزه من أُمته ومركز أُمته في العالم فيضع الأُمور مواضعها ويرفض في إِباء أن يكون يومًا عونًا للأجنبي عليها، فإِذا أُريد على ذلك قال (لا) بملء فيه، فكانت (لا) منه خيرًا من ألف (نعم)، وكانت (لا) منه وسامًا تدل على رجولته، وكانت (لا) خير درس للناشئين يتعلمون منه الرجولة، يقتل المسائل بحثًا ودرسًا ويعرف فيها موضوع الصواب والخطأ ومقدار النفع والضر، ثم يقدم في حزم على عمل ما رأى واعتقد لا يعبأ بتصفيق المُصفقين ولا بذم القادحين، إِنما يعبأ بشيء واحد، هو صوت ضميره ونداء شعوره.
6- والعالم الرجل من أدى رسالته لقومه عن طريق علمه، يحتقر العناء في سبيل حقيقة يكتشفها أو نظرية يبتكرها، ثم هو أمين على الحق لا يفرح بالجديد لجدته ولا يكره القديم لقدمه، له صبر على الشدائد وازدراء بالإِعلان عن النفس وتقديس للحقيقة، صادفت هوى الناس أو أثارت سخطهم جلبت مالًا أو أوقعت في فقر، يُفضل قول الحق وإِن أُهين على قول الباطن وإِن كرم، والتاجر الرجل هو من يخدم وطنه بتجارته، والصانع الرجل من بذل جُهده في صناعته، فلم يشأ إِلَّا أن يصل بصانعته إِلى أرقى ما وصلت إِليه في العالم، عشقها وهام بها حتى بلغ ذروتها، يشعر بأنه وطني في صناعته كوطنية السياسي في سياسته، وأن الصناعة لا تقل في بناء المجد القومي عن غيرها من شئون الدولة فهو لهذا يُحسن فيه، وهو لهذا يُحسن سلوكه، وهو لهذا يرفض كثيرًا من الخداع، ويقنع بربح مُعتدل مع الصدق، وهو لهذا كله كان رجلًا، وفي الرجولة مُتسع للجميع، فالزارع في حقله قد يكون رجلًا، والتلميذ في مدرسته قد يكون رجلًا، وكل ذي صناعة في صناعته قد يكون رجلًا، فلا يتطلب ذلك إِلَّا الاعتزاز بالشرف وإِباء المذلة، وتُستخدم الرجولة في مجال الاقتصاد وذلك بإِتقان العمل لنصرة الأُمة.
في الفقرة (2) قال صلى الله عليه وسلم: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». المقصود «أو أهلك فيه ما تركته» ما المقصود بالأمر؟ ..............